الشيخ محمد رشيد رضا
450
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نعم ان في الآية موعظة وعبرة لمن يتأملها من غير أولئك الورعين الحريصين على إقامة حدود اللّه وأحكامه بقدر الطاقة - لمن يتأملها ويعتبر بها من عباد الشهوات والأهواء الذين لا يقصدون من الزوجية الا تمتيع النفس باللذة الحيوانية الموقتة من غير مراعاة أركان الحياة الزوجية التي بينها اللّه تعالى في قوله وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ولا مراعاة أمر النسل وصلاح الذرية ، أولئك السفهاء الذين يكثرون من الزواج ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، يتزوجون الثانية لمحض الملل من الأولى وحب التنقل ، ثم الثالثة والرابعة لأجل ذلك ، لا يخطر في بال الواحد منهم أمر العدل ، ولا انه يجب لإحداهن عليه شيء ، وقد ينوي من أول الأمر أن يظلم الأولى ويهضم حقها ، ولا يشعر بأنه ارتكب في ذلك اثما ، ولا أغضب اللّه واستهان بأحكامه ، وبين هؤلاء وأولئك قوم يزعمون أنهم على شيء من الدين ومراعاة أحكامه يظنون أن العدل بين المرأتين أمر سهل فيقدمون على التزوج بالثانية والثالثة والرابعة قبل ان يتفكروا في حقيقة العدل الواجب وماهيته . ألا فليتق اللّه الذوّاقون ! ألا فليتق اللّه المترفون ! ألا فليتفكروا في ميثاق الزوجية العليظ ! وفي حقوقها المؤكدة ! ألا فليتفكروا في عاقبة نسلهم ومستقبل ذريتهم ! ، ألا فليتفكروا في حال أمتهم التي تتألف من هذه البيوت المبنية على دعائم الشهوات والأهواء وفساد الاخلاق والذرية التي تنشأ بين أمهات متعاديات وزوج شهواني ظالم ! ألا فليتفكروا في قوله تعالى « وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » ! وليحاسبوا أنفسهم ليعلموا هل هم من المصلحين لامر نسائهم ونظام بيوتهم أم من المفسدين ، وهل هم من المتقين اللّه في هذا الامر أم من المتساهلين أو الفاسقين ؟ ؟ * * * وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي وان يتفرق الزوجان اللذان يخافان - كلاهما أو أحدهما - أن لا يقيما حدود اللّه كالذي يكره امرأته لدمامتها أو كبرها ويريد أن يتزوج غيرها ولم يتصالح معها على شيء يرضيان به ، وكالذي عنده زوجان لا يقدر أن يعدل بينهما ولا تسمح له المرغوب عنها بشيء من حقوقها بمقابل ولا غير مقابل ، - ان يتفرق هذان على ترجيح الطلاق على دوام الزوجية ( كما يدل عليه اسناد الفعل